خليل الصفدي
403
أعيان العصر وأعوان النصر
شهر من ربيع الأول من السنة المذكورة ، وأقام بها تقدير شهرين ، وحضر الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي على البريد ، وقال له : قد رسم لك بنيابة الكرك ، فبات على ذلك ، وجهز إليه له ، وكان مع مغلطاي كتب السلطان إلى أمراء صفد بإمساكه ، فلما كان يوم الخميس ركب عسكر صفد ، ووقفوا في الميدان فلما علم ذلك قال : يا خوشداش ، عليك سمع وطاعة لمولانا السلطان ، قال : نعم ، وحلّ سيفه بيده ، فأحضر له القيد وقيده ، وتوجّه به إلى مصر ، وقد رأيته ، وقد خرج من دار النيابة بصفد ليركب البغل الذي أحضر له ، وكلما همّ بالركوب تعلّق فيه مماليكه ، ومنعوه من الركوب ، وبكى هو وبكوا ، وفعلوا ذلك مرات ، وهو من طول قامته ظاهر عنهم ببعض صدره ، وكان وجهه مبدعا في الحسن ، بارعا في الجمال . وتوجه به إلى إسكندرية ، وذلك في الثامن من جمادى الأولى من السنة المذكورة ، وكان آخر العهد به ، وقبره ظاهر في إسكندرية في تربة ، يزوره الناس كما يزورون قبور الصالحين ، وهو الذي عمّر الخان الذي للسبيل بالقصير المعيني - رحمه اللّه تعالى - . ولما وصل إلى صفد كان الأمير سيف الدين تنكز يجهز إليه كل يوم ، والثاني حملي فاكهة وحلوى ، وكذلك الصاحب شمس الدين غبريال ما أخلا بذلك مدة مقامه بصفد ، وحضر إليه يوما بريدي ، وعلى يده كتاب من الأمير سيف الدين تنكز على العادة ، فيما كان يكتب به إلى نواب الشام في مهمات الدولة ، فلما رأى الكتاب رمى البريدي إلى الأرض ، وضربه مائتي عصا ، وقال : واللّه ! أنا إلى الآن ما برد خدي من ركبة السلطان وفخذه ، وصار تنكز يأمر عليّ وينهى . وقال يوما للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الديوان بصفد : واللّه أنا مالي عند السلطان ذنب أخافه ولا أخشاه ، ولكن أخشى ممن يستشيره في أمري ، فإنا كنا إذا استشارنا في أمر أحد قد غضب عليه نقول : يا خوند اقتله ، فأنا أخشى من مثل هؤلاء محاضر السوء . وقلت - وقد داخلتني رقة عظيمة - وقد رأيته ومماليكه يودعونه : ( الطويل ) تشفّى مماليك المليك بحادث * ألمّ بمن عنه الثّناء يطيب وقالوا : طغى فينا طغاي ، وما طغى * ومن أين للوجه المليح ذنوب